ابن سبعين
232
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
لما قال مقالته السابقة ، وهي أنه عليه السّلام كان يعلم كل شيء من السحر وغيره من غير شكّ . نقل جوابه هذا إلى الشيخ نجم الدين الغزي السابق فغضب غاية الغضب وقال : إنه افتراها . قال في « خلاصة الأثر » : وأخذ النجم يقيم عليه الحدود في درسه كل ليلة ويقول : إنه إن أصر على ذلك كفر ، ونطلب من أقرانه عمل رسالة على وفق مراده فامتنعوا من ذلك وقالوا : إنه أخطأ حيث قالها للعوام . ومنهم من أحجم ولم يتكلم ، وقال : قد وقع فيها خلاف وما رجحوا منها قولا ينقل ، وطال التنقيب على هذه المسألة . قال في « الخلاصة » : حتى ألف الشيخ أيوب الخلوتي المقدم ذكره في ذلك رسالة سماها « الصك الموفي على رقبة المنوفي » ، وهي رسالة جامعة لكل منثور ومنظوم ، فكف بعد المنوفي عن الدرس انتهى . راجعها في ترجمة المنوفي المذكور . قلت : ولا أدري إنكارهم عليه هل هو من جهة نسبته إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم العلم بعلم السحر ، أو من جهة ما تضمنه كلامه من أنه كان يعلم كل شيء ، أو من جهتهما معا ، فإن كان الأول فإنما يتوجه إنكارهم لو أراد أنه كان يعلمه بالتعلم من السحرة ونحوهم ؛ إذ هذه رذيلة لا تليق باحاد المسلمين فضلا عن جنابه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليس في كلامه ما يفيد هذا أو يشعر به ، أما لو كان أراد أن اللّه تعالى أعلمه به وبكيفيته من جملة العلوم التي أعلمه إياها وأمده بها معجزة له - كما هو المتبادر من المقام - فلا إنكار . وقد ذكر في « الفتوحات » في الباب الثالث والسبعين ومائتين أنه اطلع في جملة ما أطلعه اللّه عليه في بعض الحضرات على خزائن العلوم المهلكة ، ورأى فيها علوما ما انشغل بها أحد إلا هلك من علوم العقل المخصوصة بأرباب الأفكار من الحكماء والمتكلمين ، ورأى منها ما يؤدي صاحبه إلى الهلاك الدائم ، وما يؤدي صاحبه إلى هلاك ثم ينجو غير أنه ليس لنور الشرع فيه أثر البتة من علوم البراهمة كثيرا ، ومن علوم السحر وغير ذلك ، قال : فحصلت جميع ما فيها من العلوم لتجنبها ، وهي أسرار لا يمكن إظهارها ، وتسمى علوم السر . انتهى راجعه . وإن كان الثاني ، فلا إنكار أيضا إلا إن كان يريد العموم الحقيقي اللازم منه مساواة